عثمان بن جني ( ابن جني )

477

الخصائص

إذا تقوم يضوع المسك أصورة * والعنبر الورد من أردانها شمل " 1 " فقيل له : ( صوار ) لأنه ( فعال ) من صاره يصوره إذا عطفه وثناه ؛ قال اللّه سبحانه فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [ البقرة : 260 ] وإنما قيل له ذلك لأنه يجذب حاسّة من يشمّه إليه ، وليس من خبائث الأرواح فيعرض عنه ، وينحرف إلى شقّ غيره ؛ ألا ترى إلى قوله : ولو أنّ ركبا يمّموك لقادهم * نسيمك حتى يستدلّ بك الركب وكذا تجد أيضا معنى المسك . وذلك أنه ( فعل ) من أمسكت الشئ ، كأنه لطيب رائحته يمسك الحاسّة عليه ، ولا يعدل بها صاحبها عنه . ومنه عندي قولهم للجلد : ( المسك ) هو فعل من هذا الموضع ، ألا ترى أنه يمسك ما تحته من جسم الإنسان وغيره من الحيوان . ولولا الجلد لم يتماسك ما في الجسم : من اللحم ، والشحم والدم وبقيّة الأمشاج وغيرها . فقولهم إذا : مسك يلاقى معناه معنى الصّوار ، وإن كانا من أصلين مختلفين ، وبناءين متباينين : أحدهما ( م س ك ) والآخر ( ص ور ) كما أن الخليقة من ( خ ل ق ) والسجيّة من ( س ج و ) والطبيعة من ( ط ب ع ) والنحيتة من ( ن ح ت ) والغريزة من ( غ ر ز ) والسليقة من ( س ل ق ) والضريبة من ( ض ر ب ) والسجيحة من ( س ج ح ) والسرجوجة والسرجيجة من ( س ر ج ) والنجار من ( ن ج ر ) والمرن من ( م ر ن ) . فالأصول مختلفة ، والأمثلة متعادية " 2 " ، والمعاني مع ذينك متلاقية . ومن ذلك قولهم : صبىّ وصبيّة ، وطفل وطفلة ، وغلام وجارية ؛ وكله للّين والانجذاب وترك الشدّة والاعتياص . وذلك أن صبيا من صبوت إلى الشئ إذا ملت إليه ولم تستعصم دونه . وكذلك الطّفل : هو من لفظ طفّلت الشمس للغروب

--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو للأعشى في ديوانه ص 105 ، ولسان العرب ( صور ) ، والمخصص 17 / 25 ، وتاج العروس ( بلد ) ، ( صور ) ، وبلا نسبة في كتاب العين 7 / 151 . أردانها : الأكمام للثوب . ( 2 ) متعادية : أي متباينة من قولهم : تعادى ما بين القوم : تباعد ، أو من قولهم تعادى المكان : تفاوت ولم يستو .